وكالة بدر نيوز
٢١ شعبان ١٤٤٥ هـ | 03 Mar 2024
الامام الكاظم عليه السلام والتمهيد لدولة الإسلام الكبرى
58 0 2024-02-05

 كامل الكناني

لا يشك اثنان ان الحركة الإلهية لهداية البشرية والتي بدات بآدم عليه السلام ومن ثم ارسال الأنبياء والرسل عليهم السلام هي حركة تراكمية مرتبطة ببعضها , وتشكل رغم انها حلقات ومراحل قد تكون متباعدة زمانيا ومكانيا الا انها في مجموعها وحدة واحدة من المؤثرات الحسية والقولية والعلمية والفلسفية لتنتهي بالإنسان الى الهدى والايمان واقامة المجتمع الصالح والدولة الإلهية.

وقد ورد في الكتب التي وثقت لحركة الأنبياء عليهم السلام والأديان الكثير من التفاصيل المرتبطة بالتوصيات والنصائح والأفكار التي يقدمها النبي او الرسول للانبياء الذين يلونه في أداء وظائفهم , ما يؤكد ان حركة الأنبياء تكاملية وتسير في اتجاه واحد يدعم كل نبي دور الأنبياء الاخرين ,وهذا الموضوع وان كان يلامس جوانب من البحث الا انه خارج عنه ولكن الإشارة اليه مطلوبة.

ولما كانت رسالة الإسلام هي الخاتمة لذا فقد جاء بشكل واضح وصريح ولا غبش فيه أهمية الايمان بباقي الأنبياء عليهم السلام وعدم التفريق بينهم بمعنى النظر اليهم كامة واحدة اوكتلة بشرية تؤمن بمبادئ واحدة وان اختلف زمانها ومكانها.

وقد كتب الكثير وورد في الكثير من التفاسير الحديث عن هذا الموضوع ولكننا سنكتفي بالاستدلال بالقران الكريم وما ورد فيه بشان تعدد الأنبياء ووحدة أفكارهم وعقائدهم حيث في الرد على من يزعم انه لو جاءهم النبي من بيئنهم لامنوا واهتدوا حيث قال تعالى ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ) [ الأنعام : 156 ، 157 ]

وقال تعالى ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ) (فاطر، 42).

وقال تعالى ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )( النحل ، 3 6 )

اذن فتعيين غاية واحدة ودعوة بينة لعبادة الله ورفض عبادة الطاغوت يؤكد هذه الحقيقة الواضحة وهي ان دعوة الأنبياء كانت امتدادا تراكميا من الجهود لهداية الناس واخراجهم من عبادة الطواغيت الى عبادة الله الواحد الاحد.

وبالتاكيد لايمكن تصور ان اوصياء الأنبياء ووكلائهم ومن يتبعهم يخرج عن هذه القاعدة الذهبية لفهم دورهم التاريخي, وهذه القاعدة هي ان الدور المتعدد للاوصياء عليهم السلام يؤكد نفس حقيقة حركة الانبياء ويعيد تجديدها وهي عبادة الله واجتناب الطاغوت رغم ان هذه القضية وردت في عبارات متفاوتة تشير لنفس المعنى.
وقد كتب اية الله العظمى السيد الشهيد محمد باقر الصدر اعلى الله مقامه بحثا جامعا بعنوان تعدد أدوار ووحدة هدف تناول فيه هذا الموضوع الحساس كما قدم اية الله العظمى السيد علي الخامنائي ادام الله وجوده بهذا الخصوص بحثا في درس الخارج لطلبته بحثا طبع فيما بعد بكتاب اغنى فيه هذه القضية حيث لايعتقد السيد بوحدة أهدافهم وانما يعتقد انهم شخصية واحدة عمرها نحو قرنين ونصف ويقول:- (على الرغم من الاختلاف الظاهري بين سيرهم (عليهم السلام (حتى إن البعض ليشعر بالاختلاف الشاسع والتناقض فيها)، إلا أنها عبارة عن مسيرة واحدة وحياة واحدة استمرت 250 سنة ابتداءً من سنة 11هـ إلى 260هـ؛ أي انتهت عام الغيبة الصغرى للإمام الحجة عجل الله فرجه إذن فالأئمة عليهم السلام جميعهم عبارة عن شخصية واحدة لها هدف واحد، .

بهذه الرؤية نستطيع ان نشخص حياة الائمة كاجزاء مترابطة من تاريخ شخصية واحد امتدت لاكثر من مائتين وخمسين سنة .

ولاننا في رحاب ذكرى الامام السابع من أئمة اهل البيت سجين المطامير المظلمة والمعذب في قعر السجون فلابد من الوقوف على خصوصية هذا الدور ولماذا تعامل معه العباسيون بهذه القسوة المفرطة بحيث يسجن في طامورة لايعرف فيها الليل من النهار؟

اقتباس أن جهاد الأئمة (عليهم السلام على اختلاف ادوارهم ) لم يكن جهاداً علمياً وحسب من قبيل النزاعات التي تدور بين الكلاميين مثل النزاع بين المعتزلة والأشاعرة وغيرهم, ولم يتورطوا في الكثير من النقاشات التي اشغلت الناس لعشرات السنين مثل خلق القران او ازليته,لانه لم يكن هدف الأئمة (ع) من اجتماعاتهم العلمية وحلقات دروسهم والأحاديث نقل المعارف الإسلامية والأحكام فقط حتى يثبتوا مدرستهم الكلامية الفقهية، بل كان هدفهم يفوق هذا.

كما لم تكن مواجهتهم للطغاة بالثورات والمواجهة المسلحة كما كان في عهد زيد والذين جاؤوا من بعده أو كما كان في عهد بني الحسن وبعض آل جعفر وغيرهم من الذين عاصروا الأئمة (ع). ولابد من التذكير أن الأئمة (ع) لم يستنكروا مواقف هؤلاء أو يخطئوهم بصورة مطلقة، وحكمهم على البعض منها بالخطأ لم يكن بداعي كونها حركات مسلحة، بل لأسباب أخرى مختلفة. فنجد مواقف الأئمة (ع) أحياناً أخرى مؤيدة لهذه الحركات، بل وحتى قد اشتركوا في بعضها بصورة غير مباشرة عن طريق المساعدات التي كانوا يقدمونها للثورة. ومن الجدير الالتفات إلى حديث الإمام الصادق (ع) الذي يقول "لوددت أن الخارجي يخرج من آل محمد (ص) وعليَّ نفقة عياله".. إلا أن الأئمة (ع) لم يخوضوا مثل هذا الثورات المسلحة ولم يشتركوا فيها بشكل مباشر.

إن مواجهة الأئمة (ع) كانت مواجهة ذات هدف سياسي بعيد والهدف هو عبارة عن تشكيل حكومة إسلامية وحاكمية الله تعالى على منهج علي بن ابي طالب عليه السلام.

ولايمكن القول إن كل إمام كان بصدد تأسيس حكومة في زمانه وعصره، ولكن هدف كل إمام كان يتضمن تأسيس حكومة إسلامية مستقبلية، وقد يكون المستقبل البعيد أو القريب؛ فمثلاً كان هدف الإمام المجتبى (ع) تأسيس حكومة إسلامية لمستقبل قريب، وقد بويع وحكم فترة من الزمن ولكن ظروفه ومستوى الولاء له وحرب ومكر معاوية لم تسمح له لتحقيق هذا الهدف سريعا . وأما الإمام السجاد (ع)، كان يضع الأسس الفكرية لتشكيل الحكومة الإسلامية في المستقبل الآتي من بعده.

أما الإمام الباقر (ع) والصادق فقد سعيا من أجل تأسيس حكومة إسلامية لمستقبل قريب منهما ونرى الدعم الواضح للثورات التي اقضت مضاجع بني العباس, كما نستدل برغبة الحكام العباسيين وبمطالبتهم للائمة بان يحضروا في بلاطهم او استقدام الائمة ووضعهم تحت نظر السلطة ,وكان اوج هذه الملاحقات سجن الامام موسى بن جعفر عليه السلام بعد تناهي اخبار للطاغية آنذاك انه تجبى اليه الأموال ويؤسس الجماعات ويؤلب على العباسيين.

ان سياسة العباسيين في تغييب الامام في السجون وقتله فيها دليل اكيد على ان هنالك خطرا احس به العباسيون من اكتمال الظروف التي تؤسس للحكومة العلوية فبادروا للقضاء عليها بفصل الامام عن جماهيره وتغييبه في ظلم المطامير ومن ثم قتله فيها.

والواضح ان سياسة المأمون في استقدام الامام الرضا عليه السلام الى عاصمته واجباره على التصدي لولاية العهد هو استمرار لنفس سياسة منع الائمة المعصومين من تحقيق الوعد الإلهي ومحاربة اقامة الحكومة الإسلامية ولكن أسلوب ماكر,حيث وضعت ولاية العهد للامام الرضا وادخاله في قصور العباسيين جمهور اتباعه ومواليه بتذبذب فكري حماهم منه الامام بشرطه على المأمون ان لا يتدخل بالاحكام التي يصدرها البلاط.

وقد ورد في الكثير من الروايات والاحاديث وليس هنا مورد التحقيق بدقتها او صحتها ان أخطاء المؤمنين وافشائهم السر فوت على اتباع المدرسة العلوية إقامة دولة الحق بقيادة الائمة المعصومين , وكانت هنالك اشارات عديدة الى الامام الكاظم عليه السلام بانه المهدي المنتظر لتشكيل هذه الحكومة المرتقبة.

ونحن نعيش زمان المعصوم الثاني عشر عجل الله فرجه فلابد من الانتباه الى ان تكليف المؤمنين في هذه المرحلة هو وضع أسس هذا البنيان وتشكيل قوة تحميه وتدعمه بما يسمح بان يظهر الامام عجل الله فرجه ولايخاف ان يناله الطواغيت بظلمهم فيقتلوه.

ورغم ان هذا التكليف عام على جميع المؤمنين الا ان هنالك خصوصية بمسؤولية العراقيين بالخصوص لان الكوفة كما ورد في الروايات المؤكدة ستكون عاصمة هذا الظهور المبارك وادارته ونهاية المرحلة الأولى التي تبدأ من ظهوره في مكة المكرمة ووصوله للعراق.

ان الواقع السياسي المعاصر يثبت اقتراب موعد تحيول حلم الأنبياء والائمة المعصومين الى واقع حاضر, ولذلك لابد من الإشارة الى مقولة السيد الشهيد اية الله العظمى محمد باقر الصدر عند انتصار الثورة الإسلامية في ايران بان الامام الخميني قدس الله نفسه حقق حلم الأنبياء, وهذا يعني اننا في مرحلة تأسيس هذه القوة التي تحمي صاحب الزمان عند ظهوره وتجعله قادرا على الانتصار على اعداءه.

لكل ذلك تشكل زيارات الائمة المعصومون في العراق وعاءا كبيرا لهذه المهمة والتوطئة لها وتشكل زيارة الخامس والعشرين من رجب خصوصية أخرى كونها تحتفل بسجين سياسي وشهيد قضي عليه في السجون لانه صاحب نظرية إقامة الدولة الإلهية.

ان دور الامام الكاظم في التهيئة للحاكمية الإسلامية لم يقف عند بذله حياته الشريفة في سجون العباسيين لاقامة دولة الحق, بل ان دوره لازال مستمرا في تحشيد المؤمنين في مسيرة التغيير السياسي ومقاومة الطغاة, ووضعهم في مواجهة الأنظمة الظالمة وهو دور اختص به بوضوح تام دون غيره من الائمة المعصومين عليهم السلام.

لكل ذلك ندعو الله تعالى ان يعبر الزائرون في مناسبة الخامس والعشرين من رجب ونحن نعيش ذروة الظلم الأميركي الداعم للكيان الصهيوني في جرائمه ضد شعوبنا ومقدساتنا ان يرتقوا الى عظيم المسؤولية التي يضطلع بها زائروا الامام الكاظم عليه السلام في هذا المرحلة وتحويل زيارته من طقس عبادي الى حركة ثورية تكشف عن هوية واهداف حركة الأنبياء والائمة المعصومين التي هي إقامة دولة العدل ومواجهة الطواغيت.

مقالات ذات صلة
تعليقات